فخر الدين الرازي
134
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
والقول الثاني : أن الزكوات كانت واجبة عليهم ، فلما تابوا من تخلفهم عن الغزو وحسن إسلامهم ، وبذلوا الزكاة أمر اللّه رسوله أن يأخذها منهم . والقول الثالث : أن هذه الآية كلام مبتدأ ، والمقصود منها إيجاب أخذ الزكاة من الأغنياء وعليه أكثر الفقهاء إذ استدلوا بهذه الآية في إيجاب الزكوات . وقالوا في الزكاة إنها طهرة ، أما القائلون بالقول الأول : فقد احتجوا على صحة قولهم بأن الآيات لا بد وأن تكون منتظمة متناسقة ، أما لو حملناها على الزكوات الواجبة ابتداء ، لم يبق لهذه الآية تعلق بما قبلها ، ولا بما بعدها ، وصارت كلمة أجنبية ، وذلك لا يليق بكلام اللّه تعالى ، وأما القائلون بأن المراد منه أخذ الزكوات الواجبة ، قالوا : المناسبة حاصلة أيضا على هذا التقدير ، وذلك لأنهم لما أظهروا التوبة والندامة ، عن تخلفهم عن غزوة تبوك ، وهم أقروا بأن السبب الموجب لذلك التخلف حبهم للأموال وشدة حرصهم على صونها عن الإنفاق ، فكأنه قيل لهم إنما يظهر صحة قولكم في ادعاء هذه التوبة والندامة لو أخرجتم الزكاة الواجبة ، ولم تضايقوا فيها ، لأن الدعوى لا تتقرر إلا بالمعنى ، وعند الامتحان يكرم الرجل أو يهان ، فإن أدوا تلك الزكوات عن طيبة النفس ظهر كونهم صادقين في تلك التوبة والإنابة ، وإلا فهم كاذبون مزورون بهذا الطريق . لكن حمل هذه الآية على التكليف بإخراج الزكوات الواجبة مع أنه يبق نظم هذه الآيات سليما أولى ، ومما يدل على أن المراد الصدقات / الواجبة . قوله : تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها والمعنى تطهرهم عن الذنب بسبب أخذ تلك الصدقات ، وهذا إنما يصح لو قلنا إنه لو لم يأخذ تلك الصدقة لحصل الذنب ، وذلك إنما يصح حصوله في الصدقات الواجبة . وأما القائلون بالقول الأول : فقالوا : إنه عليه الصلاة والسلام لما عذر أولئك التائبين وأطلقهم قالوا يا رسول اللّه هذه أموالنا التي بسببها تخلفنا عنك فتصدق بها عنا وطهرنا واستغفر لنا ، فقال عليه الصلاة والسلام ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا فأنزل اللّه تعالى هذه الآيات فأخذ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ثلث أموالهم ، وترك الثلثين لأنه تعالى قال : خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً ولم يقل خذ أموالهم ، وكلمة ( من ) تفيد التبعيض . واعلم أن هذه الرواية لا تمنع القول الذي اخترناه كأنه قيل لهم إنكم لما رضيتم بإخراج الصدقة التي هي غير واجبة فلأن تصيروا راضين بإخراج الواجبات أولى . المسألة الثانية : هذه الآية تدل على كثير من أحكام الزكاة . الحكم الأول أن قوله : خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ يدل على أن القدر المأخوذ بعض تلك الأموال لا كلها إذ مقدار ذلك البعض غير مذكور هاهنا بصريح اللفظ ، بل المذكور هاهنا قوله : صَدَقَةً ومعلوم أنه ليس المراد منه التنكير حتى يكفي أخد أي جزء كان ، وإن كان في غاية القلة ، مثل الحبة الواحدة من الحنطة أو الجزء الحقير من الذهب ، فوجب أن يكون المراد منه صدقة معلومة الصفة والكيفية والكمية عندهم ، حتى يكون قوله : خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً أمرا بأخذ تلك الصدقة المعلومة ، فحينئذ يزول الإجمال . ومعلوم أن تلك الصدقة ليست إلا الصدقات التي وصفها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وبين كيفيتها ، والصدقة التي بين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم هي أنه أمر بأن يؤخذ في خمس وعشرين بنت مخاض ، وفي ستة وثلاثين بنت لبون ، إلى غير ذلك من المراتب ، فكان قوله : خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً أمرا بأن يأخذ تلك الأشياء المخصوصة والأعيان المخصوصة ، وظاهر الآية للوجوب ، فدل هذا النص على أن